سليمان بن موسى الكلاعي
76
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
فقال للملك : إنك لست بقاتلى حتى تفعل ما آمرك به ، قال : وما هو ؟ . قال : تجمع الناس في صعيد واحد ، وتصلبني على جذع ، ثم خذ سهما من كنانتي ، ثم ضع السهم في كبد القوس ، ثم قل : باسم الله رب الغلام ، ثم ارمنى ، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني . فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ، ثم أخذ سهما من كنانته ، ثم وضع السهم في كبد القوس ، ثم قال : باسم الله رب الغلام ، ثم رماه فوقع السهم في صدغه ، فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات . فقال الناس : آمنا برب الغلام ، آمنا برب الغلام . فأتى الملك فقيل له : أرأيت ما كنت تحذر ؟ قد والله نزل بك حذرك ، قد آمن الناس . فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت وأضرم النيران ، وقال : من لم يرجع عن دينه ، يعنى فأقحموه فيها . أو قيل له : اقتحم . ففعلوا ، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها ، فتقاعست أن تقع فيها ، فقال لها الغلام : يا أمه ، اصبرى فإنك على الحق ! ! . فهذا حديث مسلم عن عبد الله بن الثامر وأهل نجران ، وإن وقعت الأسماء فيه مبهمة ، فقد فسرها العلماء بما ورد من ذلك مبينا في حديث ابن إسحاق وغيره ، وجعلوا ذلك كله حديثا واحدا « 1 » . وذكر ابن إسحاق « 2 » أنه لما كان من اجتماع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر ما تقدم الحديث به ، سار إليهم ذو نواس بجنوده ، فدعاهم إلى اليهودية ، وخيرهم بينها وبين القتل ، فاختاروا القتل ، فخد لهم الأخدود ، فحرق بالنار ، وقتل بالسيف ، ومثل بهم ، حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا . ففي ذي نواس وجنده ذلك أنزل الله على نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ وهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ إلى آخر الآيات « 3 » . والأخدود هنا هو الحفر المستطيل في الأرض ، كالخندق والجدول ، ويقال أيضا لأثر السيف والسوط والسكين ونحوه في الجلد : أخدود .
--> ( 1 ) انظر : غوامض الأسماء المبهمة لابن بشكوال ( 8 / 534 ، 535 ) . وانظر الحديث في : مسند الإمام أحمد ( 6 / 17 ) ، الدر المنثور للسيوطي ( 6 / 334 ) . ( 2 ) انظر : السيرة ( 1 / 48 ) . ( 3 ) ذكره ابن كثير في تفسيره ( 8 / 390 ) ، والطبري في التاريخ ( 1 / 436 ) .